سيد محمد طنطاوي

139

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

فقوله - سبحانه - : * ( وقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً . . ) * بيان لما رد به المؤمنون الصادقون ، على من سألهم عما أنزله اللَّه - تعالى - على نبيه محمد صلى اللَّه عليه وسلم وهو معطوف على ما قبله ، للمقابلة بين ما قاله المتقون ، وما قاله المستكبرون . ووصفهم بالتقوى ، للاشعار بأن صيانتهم لأنفسهم عن ارتكاب ما نهى اللَّه - تعالى - عنه ، وخوفهم منه - سبحانه - ومراقبتهم له ، كل ذلك حملهم على أن يقولوا هذا القول السديد . وكلمة « خيرا » مفعول لفعل محذوف أي : أنزل خيرا . أي : رحمة وبركة ونورا وهداية ، إذ لفظ « خيرا » من الألفاظ الجامعة لكل فضيلة . قال صاحب الكشاف : فان قلت لم نصب هذا ورفع الأول ؟ . قلت : فصلا بين جواب المقر وجواب الجاحد ، يعنى أن هؤلاء لما سئلوا لم يتلعثموا وأطبقوا الجواب على السؤال بينا مكشوفا مفعولا للإنزال ، فقالوا خيرا . أي أنزل خيرا . وأولئك عدلوا بالجواب عن السؤال فقالوا : هو أساطير الأولين وليس من الإنزال في شيء « 1 » . وقوله - سبحانه - : * ( لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِه الدُّنْيا حَسَنَةٌ ) * جملة مستأنفة لبيان ما وعدهم به - تعالى - على أعمالهم الصالحة من أجر وثواب . أي : هذه سنتنا في خلقنا أننا نجازي الذين يعملون الصالحات بالجزاء الحسن الكريم ، دون أن نضيع من أعمالهم شيئا . وقوله « حسنة » صفة لموصوف محذوف أي : مجازاة حسنة بسبب أعمالهم الصالحة . كما قال - تعالى - في آية أخرى : مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّه حَياةً طَيِّبَةً ، ولَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ « 2 » . ثم بين - سبحانه - جزاءهم في الآخرة فقال : * ( ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ ، ولَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ ) * . والمراد بدار الآخرة : الجنة ونعيمها . و « خير » صيغة تفضيل ، حذفت همزتها لكثرة الاستعمال على سبيل التخفيف ، كما قال ابن مالك : وغالبا أغناهم خير وشر عن قولهم أخير منه وأشر

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 407 . ( 2 ) سورة النحل الآية 97 .